محمد متولي الشعراوي

3125

تفسير الشعراوى

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ( من الآية 160 سورة النساء ) فأنت إن أخذت كسب يد واحدة يحرمك الحق من يد لا من كسب . فإن زدت حرمك اللّه من جارحة أخرى ، وهكذا . وتلك سنّة كونية تعدل نظام الكون بالنسبة للناس ، وخصوصا من يستبطئون جزاء الآخرة ، ومن يغريهم ويغرهم ويطمعهم حلم اللّه عليهم . وأنت إذا ما نظرت وصنعت لنفسك رقعة جغرافية في البيئة التي تعيش فيها في أسرتك ، أو حيك ، أو بلدك أو أمتك ، فأنت تجد قوما قد حرموا بأنفسهم من غير أن يحرم عليهم أحد ، فتجد واحدا مصابا - والعياذ باللّه - بالبولينا : ولا يقدر أن يأكل قطعة من اللحم ، أو آخر مصابا بمرض السكر ؛ وتراه غير قادر على أن يأكل قطعة من الحلوى ، أو ملعقة من العسل . لأن أحدا لن يستطيع أن يأخذ شيئا بدون علم اللّه . وصنع اللّه ذلك لأنه عزيز لا يغلب . فإياك أن تظن أن بإمكانك أخذ شئ من وراء شرع اللّه أو تظن انك خدعت شرع اللّه ، فهو سبحانه عزيز لا يغلب أبدا . ونرى في حياتنا الذين يأخذون أموالا بغير حق رشوة أو سرقة أو اختلاسا ، نرى مصارف هذه الأشياء أو الرشاوى أو الأموال قد ذهبت وأنفقت في مهالك ومصائب ؛ إننا نجدها قد أخذت ما أخذوه من حرام ، ومالت وجارت على ما كسبوه من حلال . وأريد من المسرفين على أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم كشف حساب ، فيكتبوا في ناحية القرش الذي كسبوه من حرام ، ويكتبوا في ناحية أخرى كل قرش كسبوه من حلال . وليشاهد كل مسرف على نفسه في أكل حقوق الناس المصائب التي سيبتليه اللّه بها ، ولسوف يجد أنه قد صرف لمواجهة المصائب كل الحرام وبعضا من الحلال . ولذلك قال الأثر الصالح : « من أصاب مالا من نهاوش أذهبه اللّه في نهابر » « 1 » . وكنت أعرف اثنين من الناس ، ولكل واحد منهما ولد في التعليم . وكنت أجد أحدهما يعطى ولده خمسة قروش . فيقول الابن لأبيه : « معي مصروف الأمس » .

--> ( 1 ) رواه القضاعي عن أبي سلمة الحمصي مرفوعا ، وعزاه الديلمي ليحيى بن جابر وليس صحابيا ، والمعنى من أصاب مالا من غير حله أذهبه اللّه في مهالك وأمور متبدّدة .